التضخم وتأثيره على الطبقة الوسطى
الخميس 23 فبراير 2017 -04:19
عندما تذهب للتسوق، وتجد أن ما تشتريه من سلع أو ما تحصل عليه من خدمات، يقل عن ما كنت تشتريه بنفس المقدار من النقود، فهذا مؤشرخطيرعلى تطوراقتصادي سلبي يلتهم قيمة النقود، ويجعلها تفقد قيمتها.
هذا باختصار شديد تعريف الظاهرة الخطيرة المسماة بـ"التضخم"، والتي يعرفها الأغلبية باسم "الغلاء"، وفي ظل ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع معدل التضخم، خلال شهر يناير الماضي، بنحو 4.3 % ، مقارنة بشهر ديسمبر ليسجل المعدل في يناير (29.6%)، مقارنـة بشهر يناير 2016 ، يثار الكثير من المخاوف لدى جميع طبقات الشعب، خاصة الطبقة الوسطى التي أصبحت تعاني بشكل كبير، في ظل الارتفاعات الكبيرة والطفرات، التي تشهدها أسعار أغلب السلع والخدمات.
وتعتبر ظاهرة التضخم من أشد الظواهر تعقيدا، فهي ظاهرة ذات طبيعة مركبة اقتصادياً واجتماعياً، فضلا عن كونها ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، قد تكون نتائجها خطيرة، خاصة إذا ما استشرت فى هيكل الاقتصاد القومى، فهى تغير بطريقة عشوائية ومجحفة، المراكز الاقتصادية والمالية لأفراد المجتمع، حيث يتأثر بها كثيرون، خاصة الأفراد محدودي الدخل، كما أن التضخم ذاته، وهو محصلة عوامل عديدة ذات طبيعة نقدية واقتصادية واجتماعية وسياسية، يعمل على تقوية العوامل التى كانت سبب وجوده، والنتيجة مزيد من التضخم وارتفاع أسعار المستوى العام للأسعار، وهو ما يؤدي للاستمرار في الدائرة المفرغة للتضخم.
ويعتبر التضخم عبئا مرهقا لأى اقتصاد، وممزقا له، إذ يقع هذا العبء على الأفراد، كما يقع على الشركات. ويمكن أن يكون تأثيره واضحا أكثر على الأفراد، خاصة الطبقة المتوسطة وأصحاب الدخول الثابتة، وأيضا أصحاب الاستثمارات الكبيرة ذات الأصول القابلة للاستهلاك، وعادة ما يكافأ التضخم المدين على حساب الدائن.
وتتسع الآثار السلبية للتضخم على الطبقة الوسطى والتي تشمل أصحاب المشروعات الصغيرةـ، ذات الطابع الفردي أو العائلي، إلى جانب بنيتها الرئيسية من المهنيين من خريجي النظام التعليمي والعاملين في مجالات التعليم والثقافة والصحافة والبحث والتطوير.
وتعد هذه الطبقة هي قلب المجتمع، وأكثر طبقاته تعبيرا عن حالته العامة، فهي أكثر الطبقات محافظة وجمودا وركودا في أوقات الجمود الاجتماعي العام، وهي أيضا المنتج لأفكار النهوض في أوقات النهوض الاجتماعي، وتشكل القطاعات المتعلمة والمثقفة منها وقودا أساسيا لأي عملية للتغيير الاجتماعي.
 وعلى سبيل المثال، فإن عمليات التغيير الكبرى في بلدان شرق أوروبا في الخمسة عشر عاما الأخيرة، قد قامت بالأساس على أكتاف الطبقة الوسطى.
 وقد أضيف إلى المكونات التاريخية لهذه الطبقة رافد جديد، تمثل في المصريين العاملين بالخارج، أيا كانت درجة تعليمهم، الذين تمكنوا من تكوين مدخرات مولوا من خلالها إقامة مشروعات صغيرة أو متوسطة.
وقد تعرضت الطبقة الوسطى لنهب حقيقي، وغير مسبوق لمدخراتها وممتلكاتها بالأعوام الأخيرة، وما زالت تدفع جانبا مهما من تكاليف السياسات الاقتصادية المتخبطة للحكومة المصرية.
وما زاد من تأثر تلك الطبقة سلباً هو القرار الأخير بتعويم الجنيه، ما فتح المجال أمام بعض المحتالين للعمل بشكل سري في نشاط توظيف الأموال، كوسيلة وهمية للحفاظ على قيمة تلك الأموال، وساعدهم في ذلك حالة التخبط الاقتصادي، ما أدى إلى كسب ثقة المدخرين الذين منحوهم أموالهم، في ظل عجز حكومي عن ضبط تلك المخالفات، وعدم القدرة على منعها، لأنها في الغالب تتم بشكل سري.
الخلاصة
لابد أن تدرك الدولة أن مشكلات الطبقة الوسطى هي أزمة حقيقية، تستلزم تحقيق العدالة الاجتماعية بين الطبقات في الدخل، خاصة الطبقتين الوسطى والدنيا.
وأعتقد أنه يتوجب على مؤسسات الدولة الرسمية والشعبية تقديم خطط عملية تتوافق مع المرحلة الراهنة، والمسارعة إلى العمل سوياً لوقف تآكل الطبقة الوسطى، وفق برامج مؤثرة تعيد بناء المجتمعات، وسياسة اقتصادية متوازنة تتمكن من إصلاح «السلبيات» وتقليص «الفوارق الطبقية»، بما يساعد على تكوين قاعدة صلبة للمجتمع.
والمؤكد أنه كلما كانت الطبقة الوسطى هي الأكثر عدداً بين طبقات المجتمع، فإن المستقبل سيكون واعداً وقادراً على بناء الإنسان وخلق تنمية متوازنة، تجعلنا أكثر قدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية بشكل أكثر استقراراً.

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015